مقـــــالات


إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)

الآية الكريمة آية عظيمة تدل على أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته لا يُغير ما بقوم من شر إلى خير ومن رخاء إلى شدة ، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا غير الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط ، والتفرق وغير هذا من أنواع العقوبات جزاء وفاقا قال سبحانه : (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ)وقد يكونون في شر وبلاء ومعاصي ثم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه ويندمون ويستقيمون على الطاعة فيغير الله ما بهم من بؤس وفرقة ومن شدة وفقر إلى رخاء ونعمة واجتماع كلمة وصلاح حال بأسباب أعمالهم الطيبة وتوبتهم إلى الله سبحانه وتعالى...
مما سبق يتبين لنا أن ما نمر به نحن كمسلمون وفلسطينيون نعيش على أرض الرباط هو مما اقترفت يدانا ولم يفرضه علينا أحد..فقد ظلمنا أنفسنا وقتّلنا بعضنا بعضا..نحن في فلسطين المحتلة شعب لا حول له ولا قوة يعيش قسم منه في قطاع غزة المحاصر والمغلق تماما كسجن يحكم سجانه السيطرة عليه من كل الجهات،ويتحكم بما يدخل وبمن يخرج منه،فإن أراد لمسجونيه العيش أعطاهم ما تيسر منها،وإن اراد لهم الموت ولو كان بطيئا منع عنهم بعض سبل العيش كغاز الطهي وقمح الطحين،وأما إن أراد لهم الموت السريع فيعمل آلته العسكرية المدمرة في البشر والحجر والشجر ،من الجو والبحر والبر،لا يترك شيئا يتحرك أو لا يتحرك،فلا تمييز بين ما هو فلسطيني وفلسطيني،فالفلسطيني الجيد بمفهوم الصهاينة هو الفلسطيني الميت،ومن هذا المفهوم الصهيوني يعمل دائما على اختلاق الحجج والذرائع لتنفيذ مخططاته التي تؤدي إلى السيطرة على ما تبقى من أرض فلسطينية ليضمها بالقوة بعد أن يهجر أو يقتل أهلها،ولا أحد من الغرب أو الشرق يجير فلسطين وأهلها لأن العدو لديه الذريعة دائما لتهجير أهل فلسطين وقتلهم،فالقوانين الدولية صيغت لحماية من صاغها وليس لحماية الضعيف،والضعيف هنا أنواع شتى ،منها ضعيف القوة ومنها ضعيف الحجة ومنها ضعيف الشخصية، والأشد ضعفا والذي يحمل كل أنواع الضعف هو الضعيف بالفرقة والانقسام،والذي يساعد عدوه على الانتصار عليه بالاقتتال الداخلي والاختلاف العنيف بين الإخوة وأبناء الأسرة الواحدة والشعب الواحد،لقد استفرد الاحتلال الصهيوني كل على حدة في قطاع غزة والضفة الغربية فهو يعامل كل جهة في الوطن على أنها كيان منفصل،وليس ككيان واحد ذا شخصية واحدة فلسطينية الهوية،وهذا يصب في مصلحته لتنفيذ مخططاته الاستيطانية التي كان يحلم بها منذ تأسيس كيانه المزعوم في عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية، فهو يعمل على إحكام السيطرة على قطاع غزة من جهة وابتلاع الاراضي ومصادرتها وفرض سياسة الامر الواقع في الضفة الغربية ببناء سور الفصل العنصري وتهويد الاحياء العربية في مدينة القدس الشرقية ومحاولات هدم المسجد الأقصى المتكررة،وكل ذلك يحدث في ظل انقسام داخلي واقتتال على سلطة واهنة ضعيفة لا قرار بيدها من جهة وصمت عربي ودولي على كل ما يحدث من جهة اخرى..
إن الشعب الفلسطيني ذُبح ويُذبح كل يوم مئات المرات من الداخل والخارج،فكثير من الشباب عاطل عن العمل ووهنت عزيمتهم وأصبح الحس الوطني لديهم معطّل تماما نتيجة ما يراه على الأرض من ممارسات مخالفة للخطابات الحماسية الوطنية الرنانة،فما يحدث في الميدان مخالف تماما لما نسمعه في وسائل الإعلام أو نراه على شاشات التلفاز،وأصبح الحلم الذي يراود الكثير من الشباب هو الهجرة والعمل خارج الوطن، فاقتصادنا الوطني مدمر،وعمالنا البواسل أصبحوا متسولون لا حول لهم ولا قوة نتيجة الانقسام والحصار المفروض على قطاعنا الصامد حتى الآن،وخريجين الجامعات من جميع التخصصات فاق عددهم عشرات وربما مئات المرات أماكن العمل الشاغرة في المؤسسات الحكومية وفي القطاع الخاص.

إن كل الصور والمشاهد الأليمة التي تمر في مخيلة كل إنسان مسئول عن أسرة وأبناء لا يقدر على إعالتهم في ظل تلك الظروف القاسية والمهينة، ولا تنبئ بمستقبل كريم للأجيال القادمة من أبناء قطاع غزة مما يعزز فكرة الهجرة لدى الشباب الذين هم عماد الوطن ومستقبله وهو ما يهدد الوطن بإفراغه من اهم مقوماته وهم الشباب،ألا يستحق الشعب الذي ناضل من أجل حريته أن يعيش موحدا بدون مناكفات داخلية،او انقسام بين شطريه،وحدة تنزع ذرائع المحتل وحججه في قتل كل ما هو جميل من أحلام لمستقبل وطن يعمل على التحرر والتقدم وتحقيق الانجازات؟ ألا يستحق هذا الشعب أن يفي قادته بوعودهم للوصول بسفينته إلى بر الأمان والحرية والاستقلال؟


محمدعيد السوسي
غزة 29/9/2011



بسم الله الرحمن الرحيم

بطالة وحصار..والخروج بلا انكسار

هموم كثيرة تشغل بال الشارع الفلسطيني في قطاع غزة،منها السياسية والاقتصادية،فعلى الصعيد السياسي لا يختلف اثنان بأن ملف المصالحة هو الشاغل الأكبر لجميع الشرائح والانتماءات في قطاع غزة وربما للبعض في ضفتنا العزيزة،وكلنا يتساءل؟ لماذا تأخر تطبيق بنود المصالحة على الأرض؟ولمصلحة من هذا التأخير؟ومن هو المتسبب في تأخيرها؟ومن المستفيد ايضا؟
لو طرحنا كل تلك الأسئلة على طرفي الاختلاف كلٌ على حدة فمن المؤكد أن كل طرف سيطرح نقاطا تحمل المسئولية للطرف الآخر وبالتالي سنرجع لنقطة الصفر،وهي ان لا اتفاق وان كل ما جرى هو حبر على ورق نتيجة لضغط الشارع وضغوط اخرى عربية اسلامية واقليمية ايضا،أما بالنسبة للأسئلة السابقة فنستطيع جميعا الإجابة على السؤال الأخير منها وهو أن الممستفيد الأكبر من الانقسام الفلسطيني هو الإحتلال الصهيوني الذي يستغل هذا الانقسام في ترسيخ سياسة فرق تسد فهو يفعل ما يشاء في قطاع غزة من قصف وتدمير واغتيالات واجتياحات بفعل الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة وسكوت العالم على هذا الحصار المدمر،أما في الضفة الغربية والقدس الشريف فحدّث ولا حرج،فالاستيطان في كل ركن وزاوية ينتشر كما السرطان،وتهويد القدس الشريف يجري على قدم وساق دون ان يحرك احداً ساكناً او يستطيع أي طرف سواء فلسطيني او عربي او مسلم أن يوقف الاعتداءات على المسجد الاقصى المبارك الذي تجري باسفله حفريات ستؤدي حتما لتصدعه وبالتالي هدمه على المدى المنظور لاقامة الهيكل المزعوم لا سمح الله،وبالتالي فإن الشارع الفلسطيني في قطاع غزة يترقب لانهاء ملف المصالحة لتتحد الجهود لمواجهة الاحتلال الصهيوني البغيض والأخير على وجه الأرض وبالتالي لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشريف وهو الذي لا يتحقق الا بالوحدة الوطنية التي هي طريقنا الى الحرية والاستقلال.
أما على الصعيد الاقتصادي فمن المؤكد أن الحصار الخانق على قطاع غزة كان له أثرا سلبيا خطيرا في اقفال الكثير من المصانع بفعل التوقف عن التصدير او هدم وتدمير بعض المصانع مما أدى الى ارتفاع نسبة البطالة بين عمال قطاع غزة،ومما عزز تلك البطالة بعد فتح المعابر للسماح باستيراد المواد الضرورية لاحتياجات اهل القطاع،هو السماح باستيراد الملابس الجاهزة والاثاث المنزلي والأحذية وغيرها مما ساهم في تدمير تلك الصناعات وعزز من ارتفاع نسبة البطالة بين العمال العاملين في تلك القطاعات،لقد اشتهر قطاع غزة بالتصنيع في اخر عقدين وكان احد الركائز المهمة لاقتصاد القطاع هو الاعتماد على الصناعة وبالتالي خلق فرص عمالة لا بأس بها ولكن بعد غلق مجال التصدير باغلاق المعابر بين القطاع وفلسطين المحتلة كان لابد من التوجه لانهاء الاستيراد كبادرة تشجيعية وحافز لأصحاب الصناعات لخلق فرص عمل بتشغيل المصانع المحلية لتنتج ما يحتاجه سكان القطاع من البسة وأثاث واحذية وغيرها.
أنا ليس ضد استيراد ما هو ضروري لأهل القطاع الحبيب بل لابد من سد الاحتياجات ولكن ان يفيض ما هو مستورد عن حاجتنا في القطاع فهذا غير صحي للاقتصاد والصناعة والمنتج المحلي، لذا من الواجب الوطني علينا ان ندعم الصناعة والمنتج المحلي لخلق فرص عمل تساهم في تخفيض نسبة البطالة وتخلق قوة شرائية جديدة في السوق المحلي بعد ان كان يعتمد على مرتبات الموظفين والتي اصبحت متناقصة بفعل قروض البنوك،الى ان تناقصت القوة الشرائية في السوق المحلي ولم تعد تتجاوز العشرون بالمئة.
ان تشجيع الصناعة الوطنية هي ركيزة مستقبلية مهمة تدعم اقتصاد الوطن وتبنيه على أساس مستقبلي قوي،كما انها تساهم في انهاء البطالة المستشرية بين العمال في قطاع غزة،وان كان لابد لنا ان نتيح الاستيراد فيجب على الحكومة فرض ضرائب باهظة تصل لـ 300% أحيانا وذلك حسب المنتج والسعر ليستطيع المنتج المحلي ان ينافس وبقوة وبالتالي نحقق عدة أمور من وراء تلك الخطوة:-
أولا: تستفيد الحكومة من الموارد المادية العالية المفروضة على البضائع المستوردة
ثانيا: الحد من البضائع المستوردة في السوق يؤدي حتما لزيادة الانتاج المحلي مما يؤدي بالتالي الى:-
           1- زيادة الضرائب العائدة من الانتاج المحلي لخزينة الحكومة.
           2- زيادة فرص العمل والتي تساهم في خفض معدل البطالة وبالتالي انعاش السوق المحلي بخلق قوة شرائية اقوى من القوة الشرائية السابقة والتي تعتمد على مرتبات الموظفين المتآكلة نتيجة القروض.
ثالثا: حد الاستيراد من الخارج لا يفيد الاحتلال من رسوم موانئ وعمال وضرائب وهذا يعتبر بحد ذاته عملا وطنيا يساهم في الحد من تمويل الاحتلال على حساب تجارنا.
ولا يسعني الا ان اذكركم جميعا يا اصحاب السيادة بالحديث الشريف..
عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم ، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته » . رواه مسلم.
آمل أن تصل كلماتي تلك الى مبتغاها لنواجه الحصار الظالم حتى ينتهي بإذن الله قال تعالى : {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} (هود: 88)


محمدعيد السوسي
غزة 3/10/2011